ابن عربي
34
فصوص الحكم
ارتضاه كل من القيصري وبالي في شرحهما على الفصوص . راجع الأول ص 82 والثاني ص 68 . وإذا أخذ في تعريف الشيء ظاهره وباطنه ، وجب أن نأخذ في تعريف الحق ظاهره وباطنه أيضاً . أما باطنه فهو الذات الأحدية ، وأما ظاهره فالعالم بجميع ما فيه . فيلزم منه أن يحتوي تعريف الحق جميع تعريفات الموجودات . وإلى ذلك الإشارة في قوله « فالحق محدود بكل حد » أي أن حدّه مجموع حدود الأشياء . ولكن لما كانت صور العالم لا تتناهى ولا يحاط بها ، ولا تعلم حدود كل صورة إلا بقدر ما حصل لكل عالم من العلم بصورته ، استحال الوصول إلى حد للحق ، كما استحالت المعرفة الكاملة به . فعلى قدر علم العالم بنفسه يكون علمه بربه ، وعلى قدر معرفته بحده لنفسه ولغيره يكون حده لربه . وهذا معنى العبارة المأثورة : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » ومعنى قوله تعالى : « سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّه الْحَقُّ » . يقول ابن عربي : « من حيث إنك صورته وهو روحك » فيفهم « الحق » على أنها الله لا الحقيقة : أي حتى يظهر للناظر في الآفاق وفي نفسه أن الذي رآه هو الحق . ( 3 ) « وصور العالم لا يمكن زوال الحق عنها أصلًا . . . لا بالمجاز » يقول : « وصور العالم لا يمكن زوال الحق عنها أصلًا » لما سبق أن ذكرناه من أن الصورة لا تقوم بذاتها ، وأن كل صورة في الوجود تفتقر إلى الحق . فلا يمكن أن يزول الحق عن العالم ويبقى العالم عالماً ، كما لا يمكن أن تزول الحياة عن الإنسان ويبقى إنساناً ، أو يقال فيه إنه إنسان إلَّا على سبيل المجاز فقط . وقوله : « فحد الألوهية له بالحقيقة لا بالمجاز » يمكن أن تفهم على وجهين ، فإن الهاء في له إما أن تعود على العالم وإما أن تعود على الحق . فإن أعدنا الضمير على العالم كان معنى الجملة أن العالم له صفة الإلهية من جهة أن الحق فيه على الدوام لا يزايل صورته ، وأن صفة الإلهية تطلق على العالم بطريق الحقيقة لا المجاز ، لأن الحق موجود بالفعل في صورة العالم يدبرها كما تدبر الروح جسم الإنسان وهو حي .